محمد الخالد السليم(1353-1442) أمير عنيزة (1391-1403)

في المرات القليلة التي شاهدت فيها الشيخ الكبير محمد بن خالد العبدالله السّليم (1353-1442) لاحظت أن السكينة بادية عليه، والهدوء يحيط بجوارحه وأركانه، وتستقر البسمة الرزينة على شفتيه بانفراج وقور، ويضاف لذلك إشراقة جاذبة ضمن مظاهر الرضا والطمأنينة، وكنت أظنّ هذه العلامات من بركات تقدّم السنّ، فالرجل يطوي أشرعة العمر، بيد أني حين قارنته بجيله، وبعضهم عكر كدر دفعت هذا التفسير المتسرع؛ ثمّ طلبت من نجله البار.. عادل أن يحدثني عن والده عدّة مرات فأبى بحجة أنه لا يفعل ما يغضب الشيخ، فأيقنت حينها أن للرجل سرًا، وبعد وفاته وجدتها أسرارًا تشرّف صاحبها دنيويًا، والله يجعلها من مثقلات موازينه يوم المعاد والحساب.
إذ يشهد عدد جمّ ممن عاصروا أبا صلاح في المجتمع، أو الأسرة، أو العمل الرسمي، أو النشاط الخيري، أو الرحلات الداخلية والخارجية، أو في بيته على ذات الخصال الحميدة الحاضرة فيه، ويدل هذا التواتر على أنها أصليّة جليّة لا تكاد تخفى على من قضى معه وقتًا؛ فهو خدوم ودود،  كريم لطيف، سمح بسوم، قليل الكلام كثير الذكر، راجح العقل سديد الرأي، عميق النظر بعيد الغور، مع أناة وتؤدة، وضبط إداري ومالي، ويزين ذلك كله ويتوجّه تعلّق دائم بالله والدار الآخرة، صيّره نصب عينيه ومركز غاياته، فكلنا لله راجعون، وبين يديه سنقف يومًا ولا محالة.
أما في بيته فقد اعتنى الشيخ بأمرين جعل لهما الأولوية والتقدمة أولهما: الصلاة حتى أنه يوقظ أولاده للفجر، ولا ينصرف إلّا إذا أيقن من إفاقة النائم، وبعد فراغه من أيّ صلاة يتلفت بحثًا عن بنيه في المسجد، لأن الله سائله عنهم ولا بد، وثانيهما: التعليم فأكثر ما يبهجه هو النجاح، وحفظ القرآن، وتحصيل العلم، ولذا يتكرر حثه لأولاده وأحفاده على طلب العلم، مع تحفيزهم بالهدايا، والتقريب للمتميز، والتقديم للحافظ، وإذا علم عن عثار في مسار التعليم أدركه الضيق والحزن.
كما أعلى في منهجه التربوي المنزلي من شأن الصدق والقدوة العملية، فلم ينشغل بإلقاء التعليمات والتنبيهات فقط، بل جعل من نفسه مثالًا لذريته وكأنه يقول لهم: انظروا واهتدوا بأحسن ما أعمل، وهذا المسلك خلاف ما يتداوله الناس لتسويغ مخالفاتهم بقولهم: اسمع قولي ودع عنك صنيعي! ولأجل ذلك تجد حديث الأبناء والأحفاد عن أبيهم القدوة يقترن بالوقائع والأمثلة الحيّة، وليس مقتصرًا فقط على الأقوال المنمقة، والكلمات العذبة التي ربما يناقضها واقع قائليها أحيانًا.
وإذا وسعنا دائرته الأسرية فسنجد رجلًا منح أسرته العريقة كلّ ما يستطيع من خير سواء بالرأي والمشورة، أو بمساندة العمل المشترك، أو بتقديم المثال الحسن عن أسرته في أعماله ووظائفه، وفي إنفاقه وإحسانه، وفي ثمراته وآثاره من الأبناء والأحفاد والأسباط، وتلك مكارم يغيب اعتبارها إلّا عن حصيف ينتبه لأبعاد دقيقة، فمن أعظم أنواع البّر بالأسرة أن يكون الإنسان وإنجازاته من مفاخرها ومآثرها، ومن أخفى أصناف البّر أن يجبر المرء من يتعامل معه على توقير أبويه والدعاء لهما وإن لم يحط بهما علمًا .
وحين اصطفي شيخنا أميرًا لعنيزة خلفًا لابن عمه وخاله الأمير الشيخ خالد بن عبدالعزيز العبدالله السليم (1374-1391) لم يقبل مباشرة ، ورأى أن الأنسب له اجتناب هذه المسؤولية وتبعاتها الدنيوية والأخروية ، بيد أن كبار أسرته أصروا على أن يوافق لأهليته الإدارية ومنزلته في الأسرة ، وآزرهم الشيخ الحبر ابن عثيمين ، وبينهما صحبة ووداد ، محتجًا بكفايته وأمانته ؛ فوافق وظلّ أميرًا عليها طوال اثني عشر عامًا متواصلة (1391-1403)، ثمّ قدم استقالته للملك فهد ، واستشفع بوزير الداخلية الأمير نايف ، وبعد إلحاح أمضاها الملك ، وأحالها للأمير نايف الذي اشترط على الأمير المستقيل ترشيح ثلاثة أسماء من أسرته لخلافته في منصبه .
ثمّ بعد تفرغه من العمل الحكومي توجه كليّة تلقاء العمل الخيري الذي بدأه فيما سبق ، وطاف في بلدان عديدة ليقف على الأحوال بنفسه ، ويختار أنسبها له ، وكانت له بصمات في الفلبين ، وبنغلاديش ، وألبانيا ، وتشاد وغيرها من البلاد الأفريقية ، بيد أنه مال إلى تركيز عمله في أثيوبيا التي اتخذها مقرًا آخر له ، فشرع يفتتح المعاهد ، وينشئ المراكز ، ويبني المساجد ، ويؤسس الأعمال النوعية ، ويدعو إلى الله مستثمرًا طلاب الشيخين ابن باز وابن عثيمين ، والمتخرجين في الجامعات السعودية ، ومتعاونًا مع الملحقية الدينية في السفارة السعودية ، وكم هدى الله به من ضلالة ، وأنقذ من شركٍ أو شَرَك ، ومن بديع آرائه في العمل الخيري إصراره على تركيز الجهد في شأن ، أو مكان ، أو عمل حتى يؤتي ثماره ، والحذر من الانتشار المشتت ، ولا ريب أن رؤيته تقوم على التكامل مع جهود الآخرين ؛ ومن فُتح له في باب فما أحسن أن يدخل منه ولا يتراجع .
كذلك له في داخل المملكة أعمال وآثار ، فهو من أوائل الحاصلين على ترخيص من وزارة الشؤون الاجتماعية لإنشاء مبرة باسمه في عشر التسعينيات الهجرية ، وأنفق من حساب المبرة على المشاريع ، والفقراء الذين كان يمتلئ بهم مسجده بعنيزة ، حتى لا يجد وقتًا لقراءة حزبه ، أو أداء نصيبه من نوافل الصلاة ، فاضطر لاتخاذ غرفة يعتزل فيها فيقرأ ، ويصلي ، ويفطر على تمر وحليب أودعه في ثلاجتها التي مات وهي ممتلئة تنتظر صاحبها العابد ليفطر على خيراتها ، أو يتسحر منها ، والله يكتب له أجر النية ، ومن فرائده في بعض المشروعات التي يتبرع بها غيره فتنقص عليها أموال لا يستطيع المتبرع الأول دفعها ؛ أنه يكملها من حسابه مشترطًا ألّا يعلم بذلك أحد .
ومما يمتاز به منهجه الإداري دقته في المتابعة ، وحرصه على الضبط الإداري ، والمالي ، وإلزامه أيّ عمل يقيمه باختيار مجلس إدارة بصلاحيات ومهام واضحة كي لا يرتبط العمل بأحد ، ولا يضيع من تفريط ، أو إهمال ، أو اجتهاد غير صائب ، ويحرص على تحديد الموازنة وصرفها على قسمين كل ستة أشهر في غرة محرم ، ومستهل رجب ، ويتحاشى أيّ ظهور إعلامي ، ويلتقي بالعاملين دوريًا ، ويوصيهم بما يصلح قلوبهم دينيًا ، وما يجود أعمالهم إداريًا .
كذلك من القصص المهمة إبان إمارته على عنيزة أن أحد أولاده كان مفتونًا بالصيد وهو طالب بالثانوية ، فخرج الفتى في رحلة صيدٍ ثلاثية مع رجل يكبره ، وشاء الله أن تنطلق رصاصة من بندقية الابن لتستقر في صدر الرجل حتى نزف واستحال لون ثيابه إلى حمرة الدم المفجعة ، فنقله صاحباه إلى المستشفى العام سريعًا ، وأُدخل إلى غرفة العمليات لإخراج الرصاصة ، فأنجى الله ذلكم الرجل المنتسب لعائلة كبيرة من الموت ، وطويت القصة بكتمان أطرافها لها .
وبعد ستة أشهر دخل الرجل الذي أصيب إلى إمارة عنيزة ، وقابل الأمير طالبًا منه الموافقة على شأن تجاري يخصّه ، فرفض الأمير لأن الطلب يخالف النظام ، واحتدّ النقاش بينهما حتى ذكر الرجل قصة رحلة الصيد ، والرصاصة وأنه لم يتخذ ساعتها ما يضر ابن الأمير الذي لم يكافئه بتمرير طلبه اليوم ! وعلى عجل استوثق أبو صلاح من ابنه ، وطلب من قاضي المحكمة عقد جلسة للطرفين ، وعند القاضي اعترف الابن بصحة أقوال الرجل ، وقبل أن يحكم القاضي بشيء قال الرجل بأنه متنازل ولا حقّ له ، وإنما قال ما قاله في ساعة غضب حجبت العقل ، فأصر الأمير على أن يكتب القاضي محضر الصلح والتنازل بينهما ؛ كي لا يقال بإنه حمى ولده ، ومنعًا لإحياء دابر التشاحن ، وإنهاءً للقضية ، وتفعيلًا للنظام ، وتلك حكم بعضها فوق بعض .
أما شأنه في العبادة فعجيب ، ولعله من الأسرار التي تقف خلف سكونه اللافت وابتسامته الأخاذة ، فله خلوة ليلية بربه قبل الفجر بساعات ، ونوافل صلوات متتالية في الضحى والرواتب ، ومكوث طويل في المسجد ينافس بقاءه في داره ، وورد قرآني يومي في أصول الأوقات لا في فضولها ؛ ولذا تتابعت ختماته في رمضان وغيره ، إضافة إلى صيام الأيام الفاضلة في الأسبوع والشهر والسنة من يوم إلى ثلاثين يومًا متتالية ، ولهج لا ينقطع بالذكر والتسبيح والاستغفار ، وفي آخر أربعين سنة من عمره لم يُعلن عن دخول شهر رمضان إلّا هو محرم بالعمرة في جوار البيت العتيق ، ويمضي شهره ونصف شوال في مكة ، مع موالاة دائمة بين الحج ، واستثمار خلو مدينة النبي الخاتم من الزوار في شهر الله المحرم فيقصدها مجاورًا صائمًا ، وفي كلّ مرة يشد رحاله إلى المساجد المقدسة يدعو أسرته لمشاركته سعادة القرب ، ويبدي استغرابه ممن لا يجد لذته ، ولا تأنس روحه في مكة والمدينة ، وعندما يحلّ بهما لا يكاد أن يفارق الحرمين ، ويجلس قبالة الكعبة الشريفة ، يتلو كتاب ربه بخشوع وتحزن لافت ، ويبتهل ضارعًا مخبتًا .
ومن أسمى المواقف أنه حين مرض قبل عام وأخبروه عن تيقن إصابته بسرطان منتشر في الغدد الليمفاوية لم يتضعضع ، بل رأى أن مصابه علامة على حبّ الله له ، وبشّر زوجه بذلك وأوصاها بالصبر ، وبقي في المستشفى للعلاج خمسة وعشرين يومًا لم يغير فيها برنامجه التعبدي باستثناء الصيام ، حتى أنه طلب ألّا تُقطع صلاته لأجل زيارة الأطباء إلّا إن كان فيها فحص لا مناص منه ، ورفض منع زيارة أهل الخير والعلم له لأنهم يذكرونه بالصالحات ، ورؤيتهم تنشطه على الخير .
لأجل ذلك كان موضع تقدير الطاقم الطبي وإجلالهم ، وحين أخبره الطبيب بأن المرض زال منه ويمكنه أن يعيش أزيد من عشر سنوات قال الشيخ لطبيبه : أريد سنة واحدة فقط لأنهي بها أعمالي ، وفعلًا ففي سنة واحدة بعد خروجه من مشفاه أغلق جميع مشروعاته حتى صرّح لأولاده بأنه جاهز للموت ، وأوصى نجله ببناء مسجد له في مكان معين ، وقال له : هذا آخر عمل أطلب منك تنفيذه وأنا على قيد الحياة !
أما حين داهمه المرض الأخير فقد لفت أنظار المحيطين به من العاملين خاصة من غير المسلمين ، ولم يفوّت الفرصة إذ دعاهم إلى دخول الدين الحنيف ، فلما أدركه النزع لم يغفل عن الصلاة حتى مع ثقل لسانه وإنهاك جسده ، واستعان بابنه المرافق له ليؤدي صلاة الفجر الأخيرة وهو في كربات النزع ، ويسارع مع دخول الوقت لصلاة الظهر مع العصر جمعًا ، واشتدّ عليه بعدها الأمر حتى خرجت روحه وهو مستند إلى عضد ابنه بهدوء مرددًا شهادة أن لا إله إلّا الله ، وسائلًا مولاه الرحمة والحسنات .
تلك كانت أجزاء من قصة رجل ورث مجد أسرته العتيق ، وإمارة جده القريب الأمير الشيخ عبدالله الخالد السليم الذي كان أميرًا على عنيزة لأربعين عامًا (1335-1374) ، فلم يقف عندها مكتفيًا بها ، بل شُغف بالباقيات الصالحات ، وهفا قلبه نحو مكة والمدينة ، وكان دائم البسمة ملتزمًا بطيب الكلام والفعال ، صادقًا في عمل الخبيئات والخفايا الكريمة فيما نحسبه ، سريعًا لصنائع المعروف وفعل الخيرات ، خفيض الصوت هادئ النبرة ، عالي الأثر مبارك الثمر .
لذلك تداول الناس خبر وفاته يوم السبت الرابع والعشرين من المحرم ، والصلاة عليه عصر يوم الأحد ، فتدفقت قرائح المحبين شعرًا ، ونثرًا تجود بالثناء ، وصالح الأحدوثة ، مع مشاركة في الصلاة والعزاء ، ولما علم المسلمون في البقاع التي ارتادها للخير والإصلاح أقاموا عليه صلاة الغائب ، وأكثروا من الدعاء له عبر رسائل صوتية ومكتوبة ، وتلك القلوب بيد الرحمن يجعل فيها الود والولاء للصالحين ، كما يجعل الدار الآخرة لأولئك الأتقياء الأنقياء الذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا .
             
   أحمد بن عبدالمحسن العسَّاف – الرياض